الخميس، 31 مايو 2012

الأيتام .. دار خارج نطاق الاهتمام الحكومي.. وأطفال يتضورون جوعاً

الأيتام .. دار خارج نطاق الاهتمام الحكومي.. وأطفال يتضورون جوعاً
15/05/2012 15:01:40





تحقيق/ رشيد الحداد
دار الأيتام .. قضية إنسان هرب من بؤس وشقاء اليتم إلى مركز حكومي وصنع من مأساة اليتم رجال دولة أداروا وأناروا درب اليمن .
دار الأيتام الملاذ الذي أمن آلاف الأطفال اليتامى من خوف واشبع الآلاف من جوع وفيه تجاوز اليتيم معاناة اليتم على مدى تسعة عقود زمنية، بات اليوم ملاذا آمناً للجوع وسوء التغذية والحرمان من ادنى الحقوق، فمن خلف أسواره انطلقت الأسبوع الماضي صرخات يتيمة أطلقها أطفال الدار، لفتت انتباه شرائح واسعة من المجتمع وأثارت اهتمام الناشطين في مجال حقوق الإنسان، فهب الجميع لمعرفة حال الدار وأحوال قاطنيه بعد ان تردد خبر إضراب أيتام الدار عن الطعام احتجاجاً على واقعهم المفروض قسراً ؟؟
فكانت النتيجة قهر اليتيم في معقل دار الرعاية الخاصة به، فالمئات منهم يعيشون حالة قهر تجاوز الحدود.. إلى التفاصيل:
نحج الدار في خمسينيات القرن الماضي في إعداد كوكبة مستنيرة بالعلم والمعرفة استطاعوا ان يقودوا دفة اليمن ومن بوابة دار الأيتام بصنعاء خرج الشهيد عبدالله عبد المغني قائد ثورة 26 سبتمبر 1962م وفية تلقى رئيس الجمهورية تعليمه وفية تخرج الوزراء والسفراء والجنرالات، فالدار لم يمسح بؤس اليتامى فقط منذ مايقارب 100 عام، بل أخرج اليمن من اليتم والبؤس والشقاء والعزلة عن العالم، فهو مدرسة الجمهوريين الأولي، وهو المنارة العلمية الأولى التي تعلم فيها آلاف اليمنيين ومن خلف أسوار الدار تمرد ثوار سبتمبر على الظلم والجبروت، تلك الذكرى باتت جزءاً من الماضي التي لم يستوعبها حاضر الدار في فصول مدرسته ولا في قاعات وورش المعهد المهني، ولا في الصالات الرياضية، عنابر الإيواء الخاصة باليتامى من الأطفال، بل تم استيعابه في مكتبة الدار فقط كأرشيف من ماضي الدار.
أولئك الأيتام لايلبسون الجديد في الأعياد الدينية ولايأكلون الحلويات العيدية فيها، ولايعرفون الفرحة ولا يشعرون بالأمان النفسي والاجتماعي، فمنذ سنوات فقدوا حقهم الرعاية والاهتمام واصبحواً خارج نطاق اهتمام الدولة والحكومة، وباتوا مجردين من حقوقهم.
أولئك الأيتام يعيشون في دار دارت عليه السنين بأسوأ ماحملت ودار عليه الساسة بأسوأ ما في السياسة والتسييس فباتوا معزولين .
أولئك اليتامى تخلت وزارة التربية والتعليم عنهم وتخلت عنهم وزارة الشئؤن الاجتماعية والعمل وتخلت عنهم وزارة حقوق الإنسان وتخلت عنهم وزارة التعليم الفني والمهني وتخلت عنهم السلطات المحلية والمركزية وتجاهلتهم المؤسسات الخيرية واهتم بهم -جزئياً- فاعلو الخير.
ذاك الدار الذي صنع العظماء يوما ما صنع اليوم مئات البؤساء.
مكونات الدار
دار الأيتام الذي يقع في شارع تعز بصنعاء التي تم بناؤه عام 1922م وله عدد من المرافق التعليمية والمهنية والطبية والإيوائية والرياضية، ويتكون الدار من أربعة مبان رئيسية أطلق عليها أسماء وطنية حيث يوجد " مبنى 26 سبتمبر- مبنى 14اكتوبر- ومبنى 22مايو- مبنى الأم البديلة لصغار السن -, و مبنى تنمية المهارات " ، ويضم الدار المدرسة الدار وهي مدرسة أساسية ثانوية ومعهداً صناعياً وتقنياً، بالإضافة إلى المرافق الرياضية المتمثلة بستة ملاعب رياضية ومرافق ترفيهية، منها وجود مسرحين اثنين وحديقة عامة خاصة بالدار وعدد من المعامل .
المدرسة الخاصة بالدار يزيد عدد الدارسين فيها من الأيتام في مختلف المستويات الدراسية عن 500 طالب، والسواد الأعظم منهم محرومون من الزى المدرسي والأدوات المدرسية كالدفاتر والقرطاسية وبعض الكتب التعليمية، فلليتيم طيلة العام ستة دفاتر ومسطرة وقلم واحد فقط.
الطالب في الدار يلبس زيه المدرسي طيلة العام وفي مختلف المناسبات فهو مجرد يتيم في دار الأيتام وليس يتيماً في دار رئيس الجمهورية السابق للأيتام، او تابعاً مؤسسة اليتيم التي سحبت البساط من تحت دار الأيتام خلال السنوات الماضية التي ساد فيها النفاق السياسي على العمل الخيري .
ولمؤسف ان يفرغ الدار من دوره الحقيقي حتى المعهد الصناعي الذي كلف إنشاؤه 700 مليون لم يقم بتأهيل الطلاب اليتامى بالمهارات العملية التي تلبي سوق العمل والتي ستساعده على العيش بعد تخرجه من الثانوية والتحاقه بالجامعة بدلا من تأهيلهم "مقطلين".
عسكرة اليتامى
الصرخات اليتيمة التي أطلقها يتامى دار الأيتام في العاصمة صنعاء كشفت الكثير من الأشياء التي لم تكن تكشف من غير الثورة والتمرد على القهر والخوف والخنوع ومواجهة المتسببين بمعاناة اليتامى بالحقيقة التي تم إخفاؤها لسنوات، فالدار الذي صنع القادة حتى عهد قريب بات مصنعاً للغل والتطرف، فمصادر في الدار كشفت الاسبوع الماضي عن تراجع قاطني الدار من الأيتام من "1800 يتيم" إلى المئات فقط ، وأشارت المصادر الطلابية ان معظم من خرجوا من الدار بعد ان وجدوه معقلا لليتيم يشرب فيه اليتيم كؤوساً مختلفة من الحرمان والبؤس، وكشفت المصادر التحاق أكثر من 300 يتيم تحت السن القانونية بالتجنيد في الحرس الجمهوري والأمن المركزي على الرغم من أن أولئك اليتامى لايزالون في مرحلة التعليم الأساسي.. وأضافت ان اثنين من أطفال الدار الذين تم إلحاقهم بالتجنيد قتلوا بسبب العبث بالأسلحة، أما الآخرين فقد تفرقت بهم السبل، فمنهم من سلك درب التهريب إلى المملكة العربية السعودية ومنهم من وقع في استقطاب الحوثيين والقاعدة .
ودفعت المعاناة الشديدة التي يعانيها قاطنو دار الأيتام بصنعاء العشرات من الأيتام إلى البحث عن مصادر دخل أخرى ، حيث أكد عدد من طلاب الدار ان زملاءهم لجأوا إلى العمل في تنظيف السيارات في شوارع العاصمة، بالإضافة إلى ان العشرات يخرجون كل يوم في الصباح الباكر من فوق السور، للعمل عند مزارعي القات في ضواحي العاصمة في " تقطيل القات " مقابل أجور زهيدة..
تخلي الوزارة
يرى بعض المسئولين في الدار ان المشكلة الحقيقية التي يعانيها دار الأيتام بشارع تعز بصنعاء هو تخلي وزارة التربية والتعليم عن الدار وإسناده إلى أمانة العاصمة، والدار عندما انتقل لم يكن لديه -وإلى الآن- ذمة مالية مستقلة تكفيه من تغذية وكسوة ومصروف, وعلى الرغم من تعهد أمانة العاصمة بتكفلها باحتياجات الدار إلا أنها لم تلتزم بذلك.
استدعاء الشرطة
لكل سبب نتيجة ومن نتائج الإهمال الكبير ليتامى دار الأيتام بصنعاء ارتفاع المشكلات بين القاطنين والتي كان يفترض ان تقوم بحلها إدارة المركز او المشرفين عليه، ولكن عندما يكون المشرف المباشر جلاداً والإدارة تعيش في أبراج عاجية ولا تعلم ان ارتفاع أي خلافات نتيجة لأسباب نفسية تراكمية ونتيجة لفشلها في تهيئة وتأهيل ذلك المجتمع الصغير الذي يعيش خلف أسوار دار رعاية الأيتام، فإنها تستدعى الشرطة لحل خلافات رعايا الدار..
بعض المسئولين في الإدارة يدافعون عن ذلك الإجراء بالقول إنهم يستدعون الشرطة فيما يتعلق بوجود مشكلات جنائية .
خدمات صفرية
التغذية في ادنى مستوى والسبب عدم توفر الإمكانيات المالية والنفقات التشغيلية الكافية لمتطلبات الدار، فالإدارة تبرر النقص الحاد في التغذية وعدم تنوعها إلى عدم توفر الإمكانيات المالية اللازمة للتغذية المثالية التي تكلف سنويا (100) مليون ريال على الأقل، في الوقت نفسه لاتتجاوز ميزانية الدار العامة (67) مليون ريال سنويا، بالإضافة إلى مسئول التغذية الذي يتولى عملية إعداد الوجبات الثلاث، يعاني من مماطلة الدولة في تسديد مستحقاته المالية.
اما عن ملابس اليتامى التي لا تصرف لهم إلا من قبل فاعلي خير في ظل تجاهل مؤسستي الصالح والإصلاح التي تتسابق على توزيعها في الأعياد الدينية على شرائح محسوبة فلا تقدمها لليتامى أما الوزراء الذين يتسابقون على شراء آخر الماركات لأطفالهم ولأعوانهم، قالوا ان حكوماتهم لاتستطيع شراء ملابس لإلفي يتيم حتى المؤسسة الاقتصادية التي كان مسئولوها السابقون يتسابقون على تأثيث منازل كبار المسئولين بمئات الملايين مجانا تناست أيتام دار الأيتام .
قبل الختام نؤكد ان الخدمات أدنى من الصفر في دار الأيتام بصنعاء الذين لايجدون بطانيات كافية يقون أجسادهم من البرد في الشتاء ولايجدون مستلزمات النظافة الكافية ولا مستلزمات التعليم ولا حقوقهم المالية التي اقرها السلال كما يبدو، فالمخصصات المالية لليتيم في اليوم عشرة ريالات وعلى الرغم من ذلك يفتقرون إليها منذ ثلاث سنوات .
وعلى الرغم من وجود مركز طبي متواضع في الدار لاتتجاوز خدمة الإسعافات الأولية والاستشارات الصحية إلا انه لايتبع وزارة الصحة ولا تشرف عليه، بل يعتمد على فاعلي الخير في دعمه بالأدوية ولايمتلك المركز الطبي التابع للدار سيارة إسعاف لنقل المرضى بالإضافة إلى الافتقار لأسرّة تستوعب المرضى .
لجنة حكومية
الاسبوع الماضي قرر مجلس الوزراء تشكيل لجنة وزارية للنزول إلى الدار وتم تكليف الدكتورة جوهرة حمود وزيرة الدولة وحسن شرف الدين وزير الدولة وبعد زيارة اللجنة بصورة مفاجئة عبر الوزير شرف الدين عما شاهده من معاناة في الدار بالقول: هالنا ما رأينا من إهمال بحقهم من مختلف النواحي ونسأل الله أن يوفقنا لمعالجة كافة الانتهاكات التي يتعرضون لها في القريب العاجل" وأضاف" ما أسعدني وبعث فيّ الأمل هو ارتفاع مستوى الوعي لدى هؤلاء الأطفال بحيث أصبحوا يطالبون بحقوقهم ولا يسكتون عن سلبهم إياها ".
وتبقى معاناة دار الأيتام في شارع تعز رهن قرار حكومة الوفاق الوطني التي تتحمل مسئوليتها الأخلاقية والإنسانية والوطنية تجاه تلك الشريحة ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق